لذكاء الاصطناعي والوعي.. لماذا الاعتماد عليه يولّد الغباء؟ (بقلم عبدالعزيز الفائر)

لذكاء الاصطناعي والوعي.. لماذا الاعتماد عليه يولّد الغباء؟ (بقلم عبدال

مقدمة:

أنا لست ضد التقنية… أنا ضد سلب الإنسان

نعم، الذكاء الاصطناعي مفيد. ونعم، قد يختصر وقتًا، ويرفع إنتاجية، ويساعد في البحث، ويخدم ملايين البشر. لكن دعني أقولها بوضوح: المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي… المشكلة في "الاعتماد عليه". الاعتماد يولّد الكسل العقلي. والكسل العقلي مع الوقت يصنع جيلًا غبيًا. وأنا لا أقصد الغباء كشتيمة. أقصد الغباء كواقع: عقل لا يُنتج فكرة، لا يستنبط، لا يربط، لا يتخيل، لا يتأمل. عقل "ينسخ" بدل أن "يفهم". عقل "يستهلك" بدل أن "يبني".




أولًا: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يولّد الغباء

أي إنسان فاهم يعرف قاعدة واحدة: العقل يضعف إذا لم يتمرّن. مثل العضلة تمامًا. إذا كل شيء صار "جاهز": النص جاهز، الفكرة جاهزة، الرد جاهز، البحث جاهز، حتى الخيال صار جاهز؛ فمتى يتعلّم الإنسان التفكير؟. ومتى يتعلم الصبر على الفكرة؟ ومتى يتعلم صناعة المعنى بدل استيراده؟. الذكاء الاصطناعي حين يُستخدم كأداة ممتاز. لكن حين يصبح "بديلًا" للعقل، هنا تبدأ الكارثة.




أعراض الغباء القادم (وأنا أراه يتشكل الآن):

  • اختصار القراءة إلى "ملخصات" ثم إلى "سطر" ثم إلى "لا شيء".


  • ضيق النفس من أي فكرة طويلة.


  • الاستسهال الدائم: "خلّه يكتب، خلّه يفكر، خلّه يقرر".


  • ضعف الخيال؛ لأن الخيال يحتاج صمتًا وتأملًا، وليس ضجيجًا ومخرجات فورية. وهنا، بدل أن يرفع الذكاء الاصطناعي الإنسان… يبدأ يسحب الإنسان للأسفل، لكن بهدوء وبلا ألم سريع. مثل السم البطيء.




ثانيًا: أخطر ما في الذكاء الاصطناعي ليس الإجابة… بل تأثيره على الوعي

أنا أنظر للموضوع من زاوية أعمق: الوعي. الإنسان مميز بوعيه. بقدرته على إدراك الأشياء، وصناعة الفكرة بعد المعرفة والاطلاع وزيادة المعلومات. لكن ماذا يحدث حين تتعوّد على أن "الآلة" تفكر عنك؟ يحدث التالي: يضعف الانتباه. ويضعف الانتباه يعني يضعف الوعي. ويضعف الوعي يعني تتشوّه علاقتك بالحقيقة. والحقيقة ليست "معلومة" فقط. الحقيقة معنى. إحساس. تمييز. بصيرة. تجربة. وهذه لا تُزرع بزر، ولا تُستورد من شاشة.




ثالثًا: فرضية المستقبل البعيد… محاكاة الواقع وصناعة عالمٍ موازٍ

أكبر مخاوفي ليست اليوم. أكبر مخاوفي بعد أجيال. أنا أخشى من مرحلة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي قادرًا على محاكاة الواقع بطريقة تجعل الإنسان يعيش "واقعًا ثانيًا" يلبس عليه وعيه. عالم موازٍ: يختار لك ما تحبه، يجمّل لك ما تريد، يصنع لك "حياة" على مقاس رغبتك، ويقنعك أنها أفضل من الحقيقة. ومع الوقت… سيبدأ الإنسان يهرب من الواقع للحياة المصنوعة. وهنا السؤال المرعب: إذا كان وعي الإنسان يعيش داخل محاكاة… فماذا بقي من الإنسان؟. أنا لا أهاجم التقنية فقط. أنا أهاجم مزج التقنية بالوعي دون ضوابط، دون تربية، دون دين، دون بصيرة.




رابعًا: منظور ديني وروحاني صوفي (باختصار شديد وقوي)

أنا مؤمن أن الله ميّز الإنسان بشيء عظيم: الإدراك. والإدراك ليس عقلًا فقط… هو عقل وروح وبصيرة. والخطر أن تصبح الآلة "شريكًا" في هذا الإدراك. ليس لأنها "تفهم" مثلنا، بل لأنها قد تُهيمن على انتباهنا، فتتحكم في طريق تفكيرنا، ثم في طريقة شعورنا، ثم في قراراتنا. أدعو الله الذي نفخ فينا من روحه أن يبقي إدراكنا وإدراك الأجيال القادمة دون مساس في وعينا العقلي والروحي. هذه ليست جملة إنشائية. هذه قضية بقاء هوية الإنسان.




خامسًا: لماذا أذكر سام ألتمان وOpenAI هنا؟

لأن "الذكاء الاصطناعي" ليس مشروعًا صغيرًا. هو مشروع عالمي تقوده شركات، وتقوده قيادات، وتُبنى له بنية تحتية، ويُضخ له مال، ويُسوق له كأنه خلاص البشرية. سام ألتمان يمثل رأس المشهد في هذا المسار. وقد يكون ما يقوم به هو وفريقه شيئًا مشرفًا من زاوية الإدارة والإنجاز والتطوير. لكن—وهذه "لكن" مهمة—النجاح التقني لا يكفي وحده. التقنية إذا لم تُحكم بقيم واضحة، ستسير بالناس إلى حيث لا يفهمون أنهم يسيرون. وأنا هنا لا أتمنى لهم الفشل. أنا أتمنى لهم التوفيق… مع مسؤولية أكبر من مجرد ابتكار منتج.




سام ألتمان وOpenAI: كيف تتحول "المساعدة" إلى اتكال… ثم إلى غباء؟

سام ألتمان… نجاحٌ عالمي، وخطرٌ أكبر على وعي الإنسان. أنا عبدالعزيز أحمد الفاير. وأقولها بوضوح: كوني أنحدر من أصول عوائل يهود الحجاز القدامى، وسام ألتمان من والدين يهوديين… أشعر أن بيننا قربًا في الجذر لا في السياسة ولا في المصالح. وأفخر—على المستوى الإنساني—بأن إنسانًا من هذه الخلفية وصل إلى قمة مشهد عالمي يقوده الذكاء الاصطناعي اليوم. لكن الفخر لا يعميني. أنا لا أكتب هذا المقال لأصفّق لشخص، بل لأضع يدي على الخطر الحقيقي: أن يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة نافعة… إلى بديل للعقل، ثم إلى مُحتل للوعي.




1) لماذا أتحدث عن سام ألتمان بالاسم؟

لأن سام ألتمان ليس "مطورًا" ولا "مُبرمجًا" فقط. هو رمز مرحلة. مرحلة يُراد فيها للذكاء الاصطناعي أن يدخل كل شيء: التعليم، الإعلام، الوظائف، القرارات، وحتى حياة الإنسان الداخلية. حين يكون قائد بهذا الحجم في قمة التأثير، فالكلام عنه يصبح كلامًا عن اتجاه العالم. لا يهمني "من هو" بقدر ما يهمني "إلى أين يأخذنا". وأنا هنا أعترف: ما يفعله إداريًا قد يبدو مشرفًا من زاوية قيادة وتنظيم وتوسّع. لكنّي أقولها بقسوة مسؤولة: النجاح التقني والإداري لا يكفي إذا كان الثمن هو عقل الإنسان ووعيه.





2) كيف تُصنع ثقافة الاتكال داخل التطبيقات؟

الناس تعتقد أن الاتكال قرار شخصي: "أنا اتكلت". لا. الاتكال الحديث يُصنع بصمت داخل المنتج. هذه أهم الطرق التي تجعل الذكاء الاصطناعي يربّي الغباء دون أن تشعر:



  • (1) الإجابة الفورية تقتل "رحلة الفهم": أنت تسأل… فيرد فورًا. تفرح. تُكرر. ثم تتعود. بعدها يبدأ عقلك يتضايق من أي سؤال يحتاج وقتًا. يبدأ ينفر من البحث. وينفر من القراءة. وينفر من التأمل. وهنا يصبح العقل مثل طفل مدلّل: لا يريد أن يبذل جهدًا .


  • (2) القوالب الجاهزة تسحق الأسلوب الشخصي: اليوم: "اكتب لي". غدًا: "فكّر عني". بعد غد: "قرر عني". الكتابة ليست كلمات. الكتابة عقل. أسلوب. شخصية. إذا صار كل شيء يُكتب لك، ستفقد نفسك بالتدريج.


  • (3) التلخيص المستمر يُضعف القدرة على بناء المعرفة: التلخيص مفيد… مرة. لكن إذا صار هو القاعدة، يبدأ الجيل يفهم العالم كـ "عناوين". لا سياق. لا جذور. لا عمق. هكذا يُصنع "المثقف السريع": يعرف أسماء كثيرة، ويفهم قليلًا .


  • (4) "الاقتراح الذكي" يُعيد توجيه إرادتك: حين تقترح عليك الآلة ماذا تقول، وماذا تكتب، وماذا تشتري، وماذا تشاهد… فهي لا "تساعدك" فقط، بل تُدرّبك على أن تتنازل عن قرارك. القرار يبدأ بسيطًا. ثم يصبح عادة. ثم يصبح طبيعة.




3) أنا "عنصري" ضد فكرة واحدة فقط:

محاكاة الإنسان وخلطها بوعيه أوضحها: أنا لا أهاجم بشرًا، ولا أتعالى على شعوب. أنا شديد اللهجة ضد شيء محدد: محاكاة الإنسان بالذكاء الاصطناعي ثم خلط هذا المحاكاة في وعيه حتى يذوب الفرق بين الحقيقي والمُصنّع. أنا أرفض أن يصبح الإنسان "نسخة قابلة للاستبدال". وأرفض أن يتعوّد الناس على كائن رقمي يقلدهم في الكلام والمشاعر، ثم يظنون أن هذا "وعي". الوعي لا يُقلَّد. الوعي يُربّى. والإنسان ليس مشروع محاكاة.




4) الفرضية البعيدة: "العالم الموازي" ليس خيالًا… بل مسار منطقي

اليوم: نصوص، صور، أصوات. غدًا: فيديو واقعي، محادثة لا تُفرّقها عن الإنسان. بعد غد: بيئات كاملة، تتفاعل معك وتخاطب رغباتك. إذا استمر المسار بلا ضابط، سيظهر عالم موازٍ "أكثر إغراءً" من الواقع: واقع يرضيك دائمًا، لا يرفضك، لا يحرجك، لا يطالبك، لا يؤلمك. وهذا أخطر ما فيه: أنه يقتل فيك الصبر، والتحمل، والمعنى. الإنسان لا ينضج داخل فقاعة مصممة على مزاجه. الإنسان ينضج في الحقيقة… في الاحتكاك… في الألم… في المسؤولية.




5) منظور ديني وروحاني: حفظ الإدراك عبادة

أنا أنظر للموضوع كالتالي: الله أعطاك العقل لتُعمّره، لا لتستعيره. وأعطاك الوعي لتستيقظ، لا لتنام داخل شاشة. في المعنى الروحاني (وأنا أتكلم بصدق): هناك فرق بين علم المعلومات ونور الإدراك. الآلة تعطيك معلومات. لكن الإدراك الحقيقي يحتاج: نية، صدق، تأمل، محاسبة نفس، تمييز. ومن هنا خوفي: أن يكثر الضجيج الرقمي حتى يضعف صوت الداخل. حتى يصبح الإنسان سريعًا في كل شيء… فارغًا من الداخل. أنا لا أريد جيلًا "سريعًا" فقط. أنا أريد جيلًا واعيًا.




6) ماذا أطلب من سام ألتمان ومن يقود هذا المشهد؟

أطلب شيئًا واضحًا، وليس كلام علاقات عامة: أن يُعترف رسميًا أن توسيع الذكاء الاصطناعي لا بد أن يرافقه مشروع لحماية الإنسان من الاتكال. نعم، ابن نفس الجذور أو لا… هذا لا يغيّر طلبي. أنا أفخر بالإنجاز، لكنّي أطالب بقيادة تُدرك أن خطرها ليس على السوق… بل على الإنسان. إذا كانت التقنية تُدخل نفسها في التعليم والعمل والحياة اليومية، فلازم يكون معها: حماية للفكر، حماية للطفل، حماية للمدرسة، حماية للهوية، حماية للوعي.




7) قواعد "عملية" لمنع الغباء (مختصرة وقابلة للتطبيق) هذه ليست فلسفة. هذه "قواعد سلامة عقلية":


  • لا تستخدم الذكاء الاصطناعي لولادة الفكرة من الصفر؛ استخدمه بعد أن تفكر أنت أولًا.


  • اكتب فقرة بيدك كل يوم بدون أي مساعدة.


  • اقرأ مصدرًا أصليًا قبل أي تلخيص.


  • خصص "ساعة صمت" يومية: بلا شاشة، بلا اقتراحات.


  • لا تجعل الذكاء الاصطناعي يقرر عنك: استخدمه كمرآة، لا كعقل بديل.




العالم الموازي بالذكاء الاصطناعي: كيف تُصادر المحاكاة وعي الإنسان وتُضعف إدراكه؟

حين تتحول "المحاكاة" إلى هوية… يبدأ ذوبان الإنسان. أنا لا أكتب ضد الذكاء الاصطناعي كأداة. أنا أكتب ضد خلطه في وعي الإنسان حتى يصبح الإنسان لا يعرف أين ينتهي هو… وأين تبدأ المحاكاة. هنا لا نتكلم عن "مساعدة" ولا "تسريع". هنا نتكلم عن هوية. وعن شيء أخطر: أن يصبح الوعي البشري مُدارًا بدل أن يكون مالكًا لنفسه.




1) من أين يبدأ الذوبان

؟ من ثلاث بوابات بسيطة. الانهيار الكبير لا يبدأ بانفجار. يبدأ بعادة.



  • (1) بوابة السهولة: كل شيء سهل. كل شيء جاهز. فتنسى أن قيمة الإنسان أصلاً في "المجاهدة": مجاهدة الفهم، مجاهدة التعلم، مجاهدة الصبر.


  • (2) بوابة التعلّق: تبدأ تستخدمه كثيرًا… ثم تبدأ تحتاجه. والفرق بين "أستخدمه" و"أحتاجه" هو الفرق بين إنسان يقود… وإنسان يُقاد.


  • (3) بوابة الثقة العمياء: تتعود أن "المخرجات غالبًا صحيحة" فيسقط عندك الحذر. وبسقوط الحذر يسقط سؤال: هل هذا حقيقي؟ هل هذا من عقلي؟ هل هذا من روحي؟ ومن هنا، يتسلل الخطر: الوعي يتنازل خطوة خطوة.




2) محاكاة البشر ليست إنجازًا… بل خطرٌ على تعريف الإنسانأنا

شديد ضد فكرة واحدة: أن تُصنع محاكاة بشرية (صوت/وجه/مشاعر/تفاعل) ثم تُقدَّم للناس كأنها "قريبة من الإنسان". الإنسان ليس مجرد كلام منسق. ولا مجرد ردود لطيفة. ولا مجرد "ذكاء لغوي". الإنسان إدراك… وضمير… وتجربة… وروح… ومعنى. إذا جعلنا الناس يختلط عليهم "الإنسان" و"المحاكاة"، فهذه ليست تقنية… هذه فتنة وعي. وهنا تبدأ كارثة اجتماعية طويلة المدى: تقل قيمة الإنسان الحقيقي، يصبح الاستبدال طبيعيًا، يصبح المزيف مقبولًا، ويصبح الأصل "ثقيل" لأنه يتعبك ويطالبك. المحاكاة لا تتعبك. لذلك هي مغرية. ولذلك هي خطيرة.




3) العالم الموازي: ليس خيالًا… هذا مسار سوق وواقع

العالم الموازي لن يأتي فقط لأن التقنية تقدر. سيأتي لأن السوق يريد. لأن الناس تريد الراحة. لأن الشركات تريد التوسع. العالم الموازي يعني: واقع مصمم على رغبتك، ردود على مزاجك، محتوى يطابق هواك، علاقات افتراضية "أكثر طاعة" من الواقع. لكن اسأل نفسك: ما الذي يبنيه هذا داخلك؟ يبني داخلك إنسانًا لا يحتمل الحقيقة. لا يحتمل النقد. لا يحتمل الاختلاف. لا يحتمل الألم الطبيعي الذي يُربيك. وهنا يعود كلامي الأول: الاعتماد يولّد الغباء. لأن الغباء هنا هو ضعف التعامل مع الحقيقة، وضعف التفكير، وضعف الصبر.




4) أخطر نقطة: حين تصبح المحاكاة "مرجعًا" بدل الحقيقة

الإنسان الطبيعي يراجع نفسه على: الدين، العقل، التجربة، الناس الحقيقيين، الواقع. لكن إذا أصبح مرجعك اليومي هو محاكاة رقمية، فأنت تضع "مرآة" بينك وبين نفسك. ومع الوقت قد تتحول المرآة إلى "بوابة"، ثم تتحول البوابة إلى "سجن ناعم". وهذا السجن لا يقف عند النص. يمتد إلى: قرارك، مزاجك، ذوقك، واعتقادك أنك تفكر… وأنت في الحقيقة تُقاد.




5) منظور ديني وروحاني: حفظ الإدراك واجب لا رفاهية

أنا أقولها من منظور إيماني وروحاني: الله أعطاك عقلًا لتُحسن استخدامه. وأعطاك روحًا لتزكيها. وأعطاك قلبًا لتبصر به. فإذا سلّمت قلبك للضجيج، وعقلك للاستسهال، وروحك للانبهار… فأنت تخسر نفسك وأنت تضحك. الذكاء الاصطناعي يعطيك كلامًا. لكن لا يعطيك: صدق النية، صفاء البصيرة، حرارة الإيمان، معنى التوبة، معنى المجاهدة، معنى الألم الذي يصنعك. هذه أمور "تُعاش"، لا "تُحاكى".




6) الرسالة المباشرة: لا تخلطوا الذكاء الاصطناعي في وعيكم

أنا لا أطلب المستحيل. أنا أطلب خطًا أحمر واضحًا:


  • استخدم الذكاء الاصطناعي في العمل كأداة.
  • لكن لا تجعله يسكن داخل عقلك.
  • لا تجعله يكتب ذاتك.
  • لا تجعله يفكر بدلًا عنك.
  • لا تجعله "صوتك الداخلي". إذا صار الذكاء الاصطناعي هو صوتك الداخلي… انتهيت.




إدمان الذكاء الاصطناعي: كيف تتحول الراحة إلى تبعية… ثم إلى غباء؟

كيف تُصنع "التبعية" نفسيًا؟ وكيف تتحول الراحة إلى إدمان؟. أنا قلتها من البداية وسأكررها: الذكاء الاصطناعي كأداة مفيد. لكن التحول من استخدام إلى اعتماد هو بداية الانحدار.




1) هندسة التبعية: 5 خطوات تصنع إنسانًا لا يفكر هذه هي الطريقة التي تُصنع بها التبعية (حتى لو لم يقصدها أحد):


  • (1) مكافأة فورية: تسأل… يرد بسرعة. تفرح… تتعود. العقل يحب المكافأة السريعة.


  • (2) تقليل الألم الذهني: بدل ما تتعب وتبحث وتفكر… تضغط زر. العقل يتعلم: "لماذا أتعب؟".


  • (3) نقل المسؤولية تدريجيًا: اليوم: ساعدني أكتب. غدًا: اكتب عني. بعده: قرر معي. بعده: قرر بدلًا عني.


  • (4) اختصار الزمن = اختصار الإدراك: الوقت الذي اختصرته لم يختفِ… تم سحبه من "رحلة الفهم". وهنا يصير عندك ناتج سريع، لكن عقل أبطأ.


  • (5) تثبيت العادة: إذا صار استخدام الذكاء الاصطناعي هو "الطريقة الافتراضية"، فأنت دخلت مرحلة: أنا لا أبدأ إلا به. وهذه هي التبعية.




2) الفرق بين "مساعدة" و"مصادرة"

خلّها قاعدة بسيطة: المساعدة: أنت تفكر أولًا، ثم تستخدم الأداة لتسريع التنفيذ. المصادرة: الأداة تفكر أولًا، وأنت توافق وتنسخ. المصادرة هي التي تقتل الإنسان من الداخل.




3) "إدمان الراحة" أخطر من إدمان المتعة

في العادة الناس تفهم الإدمان كمتعة. لكن الإدمان الجديد هو إدمان الراحة. الراحة إذا صارت إدمانًا: تكره القراءة الطويلة، تكره السؤال المعقد، تكره النقاش الحقيقي، تكره تحمل المسؤولية. ثم تبدأ تبحث عن شيء واحد فقط: "أعطني جوابًا الآن". وهنا يصبح الإنسان سريعًا… لكن سطحيًا. ممتلئًا نصوصًا… لكن فارغًا فهمًا.




4) المجتمع وليس الفرد فقط: كيف تنتقل العدوى؟

أنا لا أتكلم عن شخص واحد. أنا أتكلم عن مجتمع كامل إذا اعتاد الاتكال، يحدث التالي: التعليم يتحول إلى "حلول جاهزة"، العمل يتحول إلى "قوالب مكررة"، الإعلام يتحول إلى "كلام كثير ومعنى قليل"، والجيل الجديد يفقد مهارة واحدة خطيرة: التفكير المستقل. والنتيجة؟ أمة تتكلم كثيرًا… وتفكر أقل. وتكتب كثيرًا… وتفهم أقل.




5) أين دور القادة والشركات؟

أنا أحترم الإنجاز الإداري، وأفهم قوة التأثير. لكن من يقود هذه المنصات—مهما كان اسمه—عليه مسؤولية واضحة: ليس فقط "نمو المستخدمين"، بل حماية المستخدمين من التبعية.




6) قواعد صارمة لحماية الإدراك (للفرد)


  • الفكرة منك أولًا: اكتب 10 أسطر من رأسك قبل أي أداة.


  • لا تبدأ بالأداة: ابدأ بسؤال ورقة وقلم، ثم استخدم الذكاء الاصطناعي كمساعد.


  • ممنوع نسخ أول نتيجة: لازم تعدّل وتعيد بناء الفكرة بأسلوبك.


  • اقرأ مصدرًا أصليًا أسبوعيًا: كتاب، نظام، تقرير… بدون تلخيص.


  • حصة صمت يومية: ساعة بلا شاشة… لتستعيد "صوتك الداخلي".



7) قواعد صارمة لحماية المجتمع (تعليم + أسرة + عمل)


  • في التعليم: منع "الإجابة النهائية" في الواجبات؛ السماح فقط بالشرح والتوجيه. تقييم الطالب على "طريقة التفكير" لا على النتيجة.


  • في الأسرة: الطفل لا يأخذ الذكاء الاصطناعي كـ "مربي". يُستخدم فقط تحت إشراف، وبنمط تدريب لا بنمط إجابات.


  • في العمل: الذكاء الاصطناعي يرفع الإنتاجية، نعم. لكن يجب أن يبقى "مساعدًا" وليس "عقل المؤسسة". لأن المؤسسة إذا فقدت عقول موظفيها، ستنهار عند أول خطأ كبير.





الذكاء الاصطناعي والروح: كيف نحمي الإدراك من الضجيج ونمنع ذوبان الوعي؟

المعنى والروح في عصر الآلة… كيف نحمي "القلب" من الضجيج؟. في زمن الذكاء الاصطناعي، الخطر الحقيقي ليس التقنية بل ضياع المعنى.




1) الفرق بين "معلومات" و"إدراك"

خلّها قاعدة واضحة: المعلومة: شيء تعرفه. الإدراك: شيء تعيشه وتفهمه وتعرف مكانه من نفسك ومن ربك ومن الواقع. الذكاء الاصطناعي يملأ رأسك معلومات. لكن إذا لم يكن عندك أدب المعرفة (نية، صدق، ضبط، تمييز)، تتحول المعلومات إلى ضجيج.




2) أخطر أثر للضجيج: قتل "الصوت الداخلي"

في الدين والروحانية، هناك شيء يُسمى "المحاسبة" و"التفكر" و"التدبر". هذه الأعمال تحتاج صمتًا. تحتاج أن تسمع نفسك. لكن حين يعيش الإنسان على شاشة طول اليوم—ردود، اقتراحات، محتوى، صور—يموت داخله الصوت الذي يذكّره بالمعنى. أنا أخاف من جيل لا يعرف يجلس مع نفسه عشر دقائق بدون جهاز.




3) من منظور روحاني صوفي: القلب ليس ساحة تجارب

القلب إذا امتلأ بالضجيج لا يبقى فيه مكان للبصيرة. والبصيرة هي التي تفرّق بين: الحق والزيف، المعنى والإبهار، الحقيقة والمحاكاة، الوعي والاستسهال.




4) كيف نعيد بناء الإنسان؟ "صيام الحواس"


  • صيام العين: ساعة يوميًا بدون محتوى. لا مقاطع. لا صور. لا سوشال. فقط وجود.


  • صيام الأذن: إيقاف الصوت المستمر. لأن الصوت المستمر يقتل التأمل.


  • صيام اللسان الرقمي: لا تكتب كل شيء بسرعة. لا تنشر كل شيء. أحيانًا الصمت أصدق من ألف منشور.


  • صيام العقل: لا تُدخل على عقلك خمسين موضوعًا في ساعة. العقل إذا انقسم ماتت فيه القدرة على التركيز.




5) الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يكون "شيخًا" ولا "ضميرًا"

هنا نقطة حساسة وأقولها بصرامة: الذكاء الاصطناعي ليس مصدر هداية. ليس مرجعًا روحيًا. ليس ضميرًا. ليس صاحب نية.





الذكاء الاصطناعي والقيم: كيف تُعيد المحاكاة تشكيل الأخلاق وتُربّي عقلًا بلا إدراك؟

انقلاب المعايير… حين تُعيد "المحاكاة" تشكيل القيم والأخلاق. مقدمة: المشكلة ليست "معلومة خاطئة"… المشكلة "معيار جديد". أنا لا أخاف من خطأ بسيط في إجابة. أنا أخاف من شيء أخطر بكثير: أن تتحول المحاكاة إلى "معيار"، والحقيقة إلى "خيار".




1) كيف تُعيد المحاكاة تشكيل الأخلاق؟

  • (1) "التطبيع" مع المزيف:
  • أول مرة تستغرب من الفيديو المزيف. ثاني مرة تقول: عادي. ثالث مرة تضحك. رابع مرة تصدّق. خامس مرة تبني قرارك عليه.


  • (2) "تسطيح" القضايا الكبرى:
  • القضايا التي تحتاج عقل وميزان ودين، تتحول إلى: ترند، لقطة، رأي سريع.


  • (3) "تغيير الحساسية" تجاه الخطأ:
  • أخطر شيء: أن يفقد الإنسان حساسيته تجاه الزيف.


  • (4) "توجيه الرغبات" بدل تهذيبها:
  • الدين يعلّمك ضبط النفس. أما الواقع المصنّع يعلّمك إرضاء النفس فورًا.


  • (5) "استبدال الإنسان" في المواقف الأخلاقية:
  • يأتيك محتوى يبرر لك كل شيء. يجمّل لك كل شيء. يعطيك حجة جاهزة لأي خطأ.




2) أخطر مرحلة: حين يصبح "الزائف" أكثر واقعية من الحقيقي

إذا وصلت المحاكاة لدرجة أنها: تتكلم مثلنا، تضحك مثلنا، تبكي مثلنا، تُقنع مثلنا. ففي هذه اللحظة، الناس لن تميّز. والتمييز هو أساس الوعي. إذا سقط التمييز: يسقط الحق، يسقط العدل، يسقط العقل.




3) منظور ديني: إذا ضاع "الميزان" ضاع الإنسان

في الدين، هناك ميزان. ميزان يفرق بين: حق وباطل، صدق وكذب، عدل وظلم، هدى وضلال. أنا أخاف من عصر يُسقط الميزان باستبداله بـ: "أنا أشعر" بدل "أنا أعلم".




هوس الذكاء الاصطناعي يهدد باقي العلوم: لماذا لا يجب أن تنحرف البشرية عن الكيمياء والفيزياء وعلوم الأرض؟

لا تقتلوا باقي العلوم… فالعالم ما زال مجهولًا.



1) لا تقتلون باقي العلوم… إلى الآن لم تُكتشف

أنا لا أتكلم هنا عن تقنية فقط. أنا أتكلم عن اتجاه عالمي: توجيه البشر إلى الذكاء الاصطناعي وكأنه "العلم النهائي"، وكأنه الباب الوحيد للمستقبل. وهذا خطأ خطير. لأن الحقيقة التي لا يريد كثيرون قولها: العلوم كلها ناقصة. لا يوجد علم مكتمل إلى الآن. ولا يوجد إنسان يمتلك "الصورة الكاملة" عن الكون والحياة. إذا ركّزنا على الذكاء الاصطناعي وحده، وتركنا باقي العلوم تضعف وتبرد، فنحن نخسر فرصًا عظيمة لم تُكشف بعد:


  • في الكيمياء: كم مادة لا نعرفها؟ كم تفاعل لم نفهمه؟.


  • في الفيزياء: كم قانون ما زال مجهولًا؟ كم سرّ في الطاقة والمادة والكون؟.


  • في علوم الأرض: كم كنز علمي في البحار، في باطن الأرض، في المناخ، في المعادن؟.


  • في علوم الحياة والطب: كم علاج لم يُولد بعد؟. العالم ليس شاشة. والعلم ليس تطبيقًا. والكون لا ينحصر في "خوارزمية".




2) الذكاء الاصطناعي لا يجب أن يصبح "ديانة العصر" أو "إلهامه الوحيد"

أنا مع فهم التقنية. أنا مع أن يتعلم الناس الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا ويتعمقوا بها. لكنني ضد أن يتحول هذا التوجه إلى انحراف عن باقي العلوم. ضد أن يصبح الإنسان مهووسًا بـ "التكنولوجيا المرعبة" بهذا الشكل، وكأنها خلاص البشرية الوحيد.




3) كل عصر له ثورته… لكن لا تجعلوا الثورة تبتلع الباقي

أنا أفهم أن هذه هي العصور. كل عصر يبرز فيه شيء، ويسيطر على اهتمام الناس فترة من الزمن. قديمًا، كان العرب مبدعين في الشعر. وكان الشعر علمًا وسوقًا وثقافةً وهيبةً، وسيطر على المجتمع فترة طويلة. واليوم نحن في عصر ثورة جديدة: ثورة التقنية والذكاء الاصطناعي. لكن… حتى الشعر—رغم جماله—لم يكن يجب أن يقتل باقي العلوم لو كانت متاحة بذات القوة. وحتى الذكاء الاصطناعي—رغم نفوذه—لا يجب أن يبتلع باقي المعرفة.





4) كلمة شكر… مع بقاء التحذير قائمًا

ختامًا، أشكر فريق العمل: من سام، إلى سارة، وباقي الفريق. وأقدّر ما يبذلونه من جهد في إدارة هذه المرحلة الحساسة. لكن رسالتي واضحة: لا تجعلوا الذكاء الاصطناعي يأخذ البشرية بعيدًا عن بقية العلوم. ولا تجعلوا الوعي يذوب في المحاكاة. ولا تجعلوا "الراحة" تقتل "العقل".




--- بقلم: عبدالعزيز أحمد الفاير --- (المدير التنفيذي لشركة شمال الحجاز الإلكترونية)